وهبة الزحيلي
24
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ أي المخلوقات التي منها السماوات السبع غافِلِينَ مهملين أمرها ، بل نحفظها من الزوال والاختلال ، وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدّر لها من الكمال ، بحسب الحكمة والمشيئة الإلهية ، وهذا كقوله تعالى : وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ الحج 22 / 65 ] . وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً السماء هنا : السحاب بِقَدَرٍ أي بمقدار معلوم ، وهو مقدار كفايتهم فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ أي جعلناه ثابتا مستقرا فيها ذَهابٍ بِهِ أي على إزالته ، إما بتغويره في الأرض بحيث يتعذر إخراجه ، أو بتغيير صفة المائية إلى عنصر آخر لَقادِرُونَ أي كما كنا قادرين على إنزاله ، وحينئذ يموتون مع دوابهم عطشا مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ هما أكثر فواكه العرب لَكُمْ فِيها في الجنات وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي ومن الجنات تأكلون ثمارها وزروعها ، صيفا وشتاء . وَشَجَرَةً أي وأنشأنا شجرة هي شجرة الزيتون طُورِ سَيْناءَ جبل موسى بين مصر وأيلة ، وقيل : إنه بفلسطين ، فهو جبل الطور الذي ناجى فيه موسى ربه ، ويسمى طور سينين أيضا وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ معطوف على الدهن ، أي إدام يصبغ فيه الخبز أي يغمس فيه للائتدام ، وهو زيت الزيتون . الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم لَعِبْرَةً عظة تعتبرون بها مِمَّا فِي بُطُونِها أي اللبن مَنافِعُ كَثِيرَةٌ من الأصواف والأوبار والأشعار وغير ذلك وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي من الأنعام تأكلون ، فتنتفعون بأعيانها وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ أي في البر والبحر . المناسبة : بعد أن ذكر اللّه تعالى النوع الأول من دلائل قدرته وهو خلق الإنسان ، أتبعه بذكر أنواع ثلاثة أخرى من تلك الدلائل وهي خلق السماوات السبع ، وإنزال الماء من السماء وتأثيره في إنبات النبات ، ومنافع الحيوانات وهي هنا أربعة أنواع : الانتفاع بالألبان ، وبالصوف ، وباللحوم ، وبالركوب ، وذلك كله مما يحتاج إليه الإنسان في بقائه .